الصفحة الرئيسية >  القائد المؤسس >  الشيخ زايد والجامع الكبير

الشيخ زايد والجامع الكبير

الشيخ زايد والجامع الكبير

ليس ثمّة شك في أنّ المغفور له، بإذن الله تعالى،  الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان زعيم تاريخي كبير، لم يتصّف بقوة الإرادة وعمق البصيرة وسداد الرؤية فحسب، بل استطاع في أثناء حياته الغنيّة والحافلة بالإنجازات (1918-2004) أن يصنع تحولات حاسمة في مجتمعه بعد أن قام بتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وأن تترافق هذه التحولات بالمنجزات المادية والفكرية والاجتماعية التي نقلت حياة الناس وغيرت أحوالهم وصنعت مجتمعاً يتميّز بالانفتاح على معطيات العصر، والحفاظ على الهوية الثقافية الخاصة به في الوقت نفسه.  

ظل الشيخ زايد، رحمه الله، على امتداد عمره وثيق الصلة بالإسلام الصافي البعيد عن التعصّب والغلّو. ينعم بعلاقة  الحبّ النقي بين الخالق والمخلوق وهي علاقة كان  يحرص على ديمومتها في السر والعلن؛ لأنها الوسيلة التي ترتقي بالإنسان فوق عالم الضرورات وتسهم في تحريره منها. فالإسلام عنده كما كان  يقول "هو الأساس" وعندما نتمكن من فهمه واستيعاب مراميه فإنه يشكل أساساً من أسس التقدم؛  لهذا يقول: "فعندما اتبع العرب تعاليم الدين، سادوا العالم وحققوا الأمجاد … وديننا حافل بالتعاليم العظيمة".  

كان الشيخ زايد يرى أنّ ثقافة التسامح مشروع حضاري خلاّق لا يقل أهميّة عن المشاريع الأخرى الكثيرة التي حرص على الإشراف على تنفيذها وحسن أدائها. فالتسامح هو دليل حيوية الأمة وقدرتها على النهوض والتقدّم.  فثقافة التسامح التي كان الشيخ زايد، رحمه الله، يدعو إليها كانت تسعى إلى تعظيم القواسم المشتركة، لأنّ البشر حين يختلفون يغفلون عن تلك القواسم، ويهتمون بما يفرّقهم لا بما يجمعهم. وعندها يعظم الخلاف بين الناس وتبدأ الثقافات لغة اختزال الآخر وتنميطه والحديث عنه على نحو يسلبه جوهره الإنساني الذي كرمه الخالق، عزّ وجل، بصرف النظر عن دينه ولونه ووطنه. لهذا كان الشيخ زايد يردد  بأن "الإسلام يقضي بمعاملة كل شخص كنفس مهما كان معتقده، وهي نقطة تجعلنا نعتز بالإسلام".  

كانت رؤية الشيخ زايد، رحمه الله، تنبثق في هذا الإطار من مبدأ عرفته الحضارة العربية الإسلامية يقوم على التنّوع في إطار الوحدة. فالتنوع سنّة إلهية مطرّدة. والإنسانية التي خلقها الله من نفس واحدة تنوعت إلى شعوب وقبائل وأمم وأجناس وألوان، وصار لها شرائع مختلفة في إطار الدين الواحد، وصار لها مناهج وثقافات وحضارات في إطار المشترك الإنساني الواحد: [وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ] [الروم: 22].

وكان مبدأ  التنوع في إطار الوحدة لا يتجلّى على المستوى المعماري، أكثر من تجليّه في جامع الشيخ زايد الكبير، الصرح الحضاري الباهر الذي وجه المغفور له إلى بنائه سنة 1996.  

فهذا الجامع يكشف عن ثراء في التنوع المعماري، وانسجام بين مدارس العمارة الإسلامية على امتداد عصورها، فضلاً عن استيعابه لأنماط حديثة من الطرز المعمارية المعاصرة. وبذلك فإن الراحل الكبير كان  يسعى إلى إقامة بيت من بيوت الله يجسد رسالة الإسلام في التسامح والتنوع في إطار الوحدة، ويريد لهذا المعمار الديني أن يغدو مرجعاً في العمارة الإسلامية الحديثة، التي تتصل بالماضي ولا تحاكيه، وتفيد من معطياته في ضوء متطلبات العصر ومقتضياته.  

وهكذا صار جامع الشيخ زايد الكبير صرحاً إسلامياً بارزاً ونموذجاً للإبداع المعماري والهندسي، وهو ثمرة المنظور الإسلامي المستنير للشيخ زايد، فقد أراد أن يكون هذا الجامع صرحاً إسلامياً يرسخ قيم الإسلام، ويبلور آفاق الفكر الإسلامي القائم على التسامح، ومركزاً للعلوم الإسلامية.